الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

122

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للملابسة ، أي متلبسين بالفوز أو الباء للسببية ، أي بسبب ما حصلوا عليه من الفوز . ويجوز أن تكون المفازة اسما للفلاة ، كما في قول لبيد : لورد تقلص الغيطان عنه * يبذ مفازة الخمس الكمال سميت مفازة باسم مكان الفوز ، أي النجاة وتأنيثها بتأويل البقعة ، وسموها مفازة باعتبار أن من حل بها سلم من أن يلحقه عدوّه ، كما قال العديل : ودون يد الحجاج من أن تنالني * بساط بأيدي أنا عجات عريض وقول النابغة : تدافع الناس عنا حين نركبها * من المظالم تدعى أمّ صبار وعلى هذا المعنى فالباء بمعنى ( في ) . والمفازة : الجنة . وإضافة مفازة إلى ضميرهم كناية عن شدة تلبسهم بالفوز حتى عرف بهم كما يقال : فاز فوز فلان . وقرأ الجمهور بِمَفازَتِهِمْ بصيغة المفرد . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف بمفازاتهم بصيغة الجمع وهي تجري على المعنيين في المفازة لأن المصدر قد يجمع باعتبار تعدد الصادر منه ، أو باعتبار تعدد أنواعه ، وكذلك تعدد أمكنة الفوز بتعدد الطوائف ، وعلى هذا فإضافة المفازة إلى ضمير الَّذِينَ اتَّقَوْا لتعريفها بهم ، أي المفازة التي علمتم أنها لهم وهي الجنة ، وقد علم ذلك من آيات وأخبار منها قوله تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً [ النبأ : 31 ، 33 ] . وجملة لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ مبيّنة لجملة وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لأن نفي مسّ السوء هو إنجاؤهم ونفي الحزن عنهم نفي لأثر المس السوء . وجيء في جانب نفي السوء بالجملة الفعلية لأن ذلك لنفي حالة أهل النار عنهم ، وأهل النار في مسّ من السوء متجدد . وجيء في نفي الحزن عنهم بالجملة الاسمية لأن أهل النار أيضا في حزن وغم ثابت لازم لهم . ومن لطيف التعبير هذا التفنن ، فإن شأن الأسواء الجسدية تجدد آلامها وشأن الأكدار القلبية دوام الإحساس بها . [ 62 - 63 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 62 إلى 63 ] اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 63 )